كل عام وأنتم بخير، بمناسبة المولد النبوي الشريف، أكتب عن الرسول والمرأة.
وإنه ليس من المستغرب أن يكون هناك بعض الأجانب الحاقدين على الإسلام وعلى الأمة الإسلامية، ويصبّون جام حقدهم وغضبهم على القرآن الكريم فيقومون بحرقه، أو على النبي سيد المرسلين، ويصمون الإسلام بالإرهاب، وهذا يدلل على المفهوم المغلوط للحرية لدى البعض، فالحرية ليست هي فعل المرء ما يريد، بل فعل ما لا يؤذي الآخرين ماديًا وجسديًا ونفسيًا، وخاصة الأذى النفسي، فالعقيدة تقع في صميم المشاعر، والتعرض سلبًا لها يعتبر أشد أنواع الأذى، إن مفهوم الحرية مغلوط، ليس لدينا فحسب، بل حتى لدى مواطني الدول التي تدّعي الحرية والديمقراطية، فإذا كان العرب عهدهم بالديمقراطية حديثاً، فإن عهدهم بالتسامح واحترام الأديان قديم قدم الرسالة المحمدية، "وإنكَ لعلى خُلق عظيم"، هكذا حدد القرآن الكريم صفات النبي محمد، ويتجلى هذا الخلق في معاملة النبي للصغير والكبير، في طريقة تعامله مع المنتصر والمهزوم، مع العدو والصديق، ومع كل المظلومين والمستضعفين، ويتجلى الخُلق العظيم بكل وضوح في كيفية تعامل الرسول مع المرأة، وكل من يتأمل القرآن الكريم والسيرة النبوية الشريفة يرى الدعوة الصريحة إلى اللطف في التعامل مع النساء، ولقد أوصى الرسول الصحابة بالنساء قائلًا: "استوصوا خيرًا بالنساء"، كما قال (صلعم): "رفقًا بالقوارير".
ويكفي الحديث النبوي الشريف دلالة على احترام المرأة الأم: "الزمها، فإن الجنة تحت رجليها".
والمثل العربي يقول: لا تضرب المرأة حتى ولو بوردة.
لقد تزوج الرسول بخديجة أم المؤمنين والتي كان لديها تجارة رابحة، ولم يتزوج غيرها إلا بعد أن وافتها المنية، ولم تشكُ واحدة من زوجاته تعامل النبي معها، فلم يُعامل أي منهن قط معاملة فظة، ولم يقسُ على أي واحدة منهن قط.
وكان النبي يشجع على مشاورة النساء، ولا يعارض مشاركة المرأة في أي شيء حتى في المعارك، فكُتب السيرة النبوية تعجّ بالمواقف النبيلة للرسول في التعامل مع المرأة، ومنها أنه ذات يوم وفي أحد المعارك، التفت رسول الله فرأى أم سليم بنت ملحان في المعركة، وهي حازمة وسطها ببرد لها، وكانت حاملا بعبد الله بن أبي طلحة، وكان معها جمل زوجها طلحة، وقد خشيت أن يغرها الجمل فأدنت رأسه منها، وأدخلت يدها في خزامته مع الخطام، فناداها رسول الله قائلًا: يا أم سليم، فقالت: نعم بأبي أنت وأمي يا رسول الله، اقتل هؤلاء الذين ينهزمون عنك كما تقتل الذين يقاتلونك فأنهم لذلك أهل. وكان معها خنجر، فسألها زوجها أبو طلحة: ما هذا الخنجر معك يا أم سليم؟ أجابت: خنجر أخذته إن دنا مني أحد المشركين بعجته به.
وعن تشجيع الرسول لالتحاق النساء بالمعركة، وعن الرقة واللطف التي يتحلى بها سيد المرسلين، تقول أمية بنت أبي الصلت وهي امرأة من بني غفار: أتيت رسول الله في نسوة من بني غفار فقلنا: يا رسول الله قد أردنا أن نخرج معك إلى وجهك هذا، وهو يسير إلى خيبر، فنداوي الجرحى ونعين المسلمين بما استطعنا، فقال: على بركة الله، فخرجنا معه، وكنت جارية حدثة، فأردفني رسول الله على حقيبة رحله، فوالله لنزل رسول الله إلى الصبح وأناخ، نزلت عن حقيبة رحله وإذا بها دمّ مني، وكانت أول حيضة أُحيضها، فتقبضت إلى الناقة واستحيت، فلما رأى رسول الله ما بي ورأى الدم، لم يقل إنني نجسة بل سألني: مالك؟ لعلك نفست، فقلت نعم، قال: فاصلحي من نفسك ثم خذي إناء من ماء فاطرحي فيها ملحًا ثم اغسلي ما أصاب الحقيبة من الدم، ثم عودي لمركبك، فلما فتح الرسول خيبر رضخ لنا من الفيء وأخذ القلادة التي تزين عنقي الآن، فأعطانيها وعلّقها بيده في عنقي، فوالله لا تفارقني أبدًا. وكانت في عنقها حتى ماتت وأوصت أن تدفن معها، وكانت لا تطهر من حيضة إلا جعلت طهورها ملحًا، وأوصت أن يجعل في غسلها حين ماتت.
هكذا كان أشرف المرسلين رقيقًا لينًا عطوفًا في تعامله مع النساء. فيا ليت كل الرجال يقتدون به.
--------------------------
بقلم: د. أنيسة فخرو
* سفيرة السلام والنوايا الحسنة - المنظمة الأوروبية للتنمية والسلام






